السداد | من الفاشر إلى تشاد.. روايات الناجين من إعدامات “الدعم السريع”

وكالة السداد الإخبارية تتابع آخر التطورات المحلية والدولية عبر مصادر إعلامية متعددة.

كتب : وكالات


01:49 م


28/05/2026


تعديل في 01:53 م

رويترز:

وقفوا ينظرون إلى أحبائهم وهم يسقطون برصاص الميليشيات. سرق المسلحون هواتفهم، وصادروا مدخراتهم، وانتزعوا حتى الأحذية من أقدامهم. هكذا بدأت في أوائل نوفمبر 2025، حكايات تدفق الناجين من هجوم غرب السودان إلى بلدة الطينة الصحراوية على الحدود التشادية.

وصل عشرات الآلاف من هؤلاء النازحين عبر الصحراء إلى الحدود التشادية، حيث تقول رويترز إنها التقتهم جائعين، وحفاة، ومصابين بطلقات نارية وصدمات أفقدت بعضهم القدرة على الكلام، في مشهد ختّم حصار فرضته قوات الدعم السريع لـ 18 شهرًا على مدينة الفاشر، حيث اضطر السكان لتناول علف الحيوانات هربًا من الجوع، قبل أن يبدأ الهجوم الدامي على مناطقهم في 25 أكتوبر.

خندق الموت الممتد

صباح 26 أكتوبر، استحالت محاولة نجاة محمد آدم إلى كابوس حين باغتت طائرة مسيرة منزله، لتخطف حياة زوجته سهام حسن، النائبة البرلمانية السابقة والناشطة الإنسانية.

استقرت الشظايا في صدره وعينه، ودفعه الرصاص للانطلاق ركضًا، تاركًا جثمان رفيقة دربه بلا وداع أو دفن.

في طريق هربه، غير محمد اتجاهه مرارًا لتفادي أسراب المسيرات، لتصطدم عيناه بمشهد أشد قسوة؛ حيث خندق طويل يمتد لـ 57 كيلومترًا حفرته قوات الدعم السريع حول المدينة، تكدست في قاعه جثث رجال ونساء وأطفال.

مضى محمد في طريق النزوح لأيام، يسند شقيقه الذي يعرج بكسر مضاعف وتهشم في ركبته، حتى استأجرا جملًا حملهما إلى بر الأمان الحدودي في تشاد.
يتذكر تلك الساعات قائلًا: “كانوا يطلقون النار علينا فحسب، كل شيء في الطريق كان موتًا وجثثًا”.

وجه القائد القاتل

فجرًا، أحال القصف المدفعي سماء المدينة إلى كتلة من اللهب.

حملت صفاء زكريا رضيعها ذا الشهرين ونصف الشهر وانطلقت هاربة، بعد أن اعترضت القوات طريقها، واحتجزت شقيقها، وأنهت حياة اثنين من أزواج شقيقاتها.

لاحقًا، وعبر مقطع فيديو عرضه مراسل رويترز، التقت عينا صفاء بوجه القاتل؛ فتعرفت عليه فورًا. إنه العميد الفاتح عبد الله إدريس، المعروف بـ “أبو لولو”، القائد الذي وثقت مقاطع أخرى إعدامه لـ 15 شخصًا أعزل.

تجاوزت جرائم هذا القائد عائلة صفاء، لتتقاطع تفاصيلها مع مأساة خديجة عيسى.

احتُجزت أسرة خديجة لـ 5 أيام تحت وابل من الإهانات العنصرية من “أبو لولو”، الذي وجه رصاصه نحو شقيقها مبارك الذي أتم عامه الـ 30 للتو.

صرخت خديجة وحاولت منعه، فكان رده ضربها وطرحها أرضًا، حتى تمكنت من الهرب في جنح الظلام، تاركة خلفها أبناءً لا تعلم حتى اللحظة إن كانوا يتنفسون أم التحقوا بقوائم الموتى.

أمام هذه الانتهاكات التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها تحمل “سمات الإبادة الجماعية”، لاذت قوات الدعم السريع بالصمت.

ورغم تعهد قائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) بمحاسبة المتجاوزين، وبث مقطع يظهر “أبو لولو” خلف قضبان سجن شالا، تؤكد مصادر ميدانية عودته لإدارة العمليات، وهو ادعاء تصر قوات الدعم على نفيه تمامًا.

موت عبر الشاشات

تجاوز الموت حدود الفاشر الجغرافية، ليطارد الناجين عبر شاشات هواتفهم في مخيمات اللجوء. دمرت قذيفة منزل منى محمد ومحت العائلة المجاورة بالكامل من الوجود.

اتخذت منى قرارها الصعب بترك والدها وشقيقها بخيت لإنقاذ طفليها الصغيرين والفرار إلى تشاد. وهناك، حمل تطبيق واتساب الفاجعة المنتظرة: مقطع فيديو يوثق اللحظات الأخيرة لشقيقها، ينزف حتى الموت برصاص الدعم السريع.

الشاشات ذاتها نقلت الصدمة الأقسى للشاب إبراهيم علي، الذي نجا من رصاصة لامست صدغه وأفقدته حاسة السمع، لكن قلبه تلقى الضربة القاضية في مخيم تولوم.

تسمر هذا الشاب أمام مقطع فيديو يظهر فيه صديقه المقرب فاتح مختار، بقميصه الأزرق المعتاد، يحاول التفاوض بيأس مع “أبو لولو”، قبل أن يعدمه الأخير بدم بارد.

استرجع إبراهيم ذكرى صديقه الذي علمه كرة الطائرة وعشق قراءة الفلسفة، ليختصر المشهد بكلمات مثقلة بالأسى: “هذا أبشع ما رأيته في حياتي”.

المصدر: وكالات

اترك رد