
لم يكن الفن بمعزل عن تناول “جرائم الشرف”، وهو مصطلح ساهم في تشكيل الوعي الجمعي في كثير من الأحيان، مما جعل من القاتل بطلاً تحت مسمى “غسل العار”. وقد تناول الفن المصري هذه الجرائم في العديد من الأعمال، ولعل أبرزها القصة الحقيقية التي تحولت إلى ملحمة تروى عبر الأجيال، وهي قصة “شفيقة ومتولي”.
ما قصة شفيقة ومتولي؟
تدور أحداث القصة في صعيد مصر، حيث يذهب “متولي” إلى التجنيد الإجباري ويترك شقيقته الصغرى “شفيقة” تعاني من الفقر المدقع دون عائل. تضطر شفيقة للهرب من قريتها والعمل بالدعارة بعد أن أقنعها البعض بالعمل كراقصة في الموالد.
أثناء فترة خدمته العسكرية، يتشاجر متولي مع أحد المجندين، الذي يخبره بأن شقيقته “شفيقة” تعمل في الدعارة، مما يقلب حياة متولي رأساً على عقب. يقرر متولي “غسل عاره” وقتل شقيقته، وعندما يعثر عليها، يقوم بذبحها. يحكم عليه القاضي بستة أشهر فقط، لاعتبار الجريمة دفاعاً عن الشرف.
ما يميز جريمة قتل شفيقة على يد شقيقها متولي هو أنها قصة حقيقية خلدها الفن المصري من خلال مواويل وأفلام ومسرحيات، حيث تم تصوير متولي كبطل انتقم لشرفه من انحراف شقيقته، مع عرض لحالة الفقر والشقاء التي عانى منها المجتمع في ذلك الوقت.
الريس حفني أحمد حسن
في الستينيات، خلد المطرب الشعبي الشهير الريس حفني أحمد حسن قصة شفيقة ومتولي من خلال موال يحكي القصة على الربابة، ليصبح واحداً من أشهر أعماله. وقد حاز الموال على شهرة واسعة لأنه جعل من متولي بطلاً، ولم يعرض شفيقة كضحية بقدر ما أشار إلى أنها مذنبة لاقت مصيرها المحتوم، حتى أن أهالي جرجا استقبلوا متولي بالمزمار والزغاريد بعد قتله لشقيقته.
وينهي حفني أحمد حسن مواله على لسان القاضي قائلاً: “أصل إنت شريف وعملك شيء يعليك.. أبدا مفيش أي شيء عليك.. غير ست أشهر.. متولي شريف من دي الساعة.. وخلص من عاره بشجاعة”.
فيلم شفيقة ومتولي
عرض فيلم “شفيقة ومتولي” في السينمات عام 1979، من بطولة سعاد حسني وأحمد زكي. لم يكتف الفيلم بعرض القصة بل أضاف إليها بعداً سياسياً، حيث كانت نهاية شفيقة في الفيلم مختلفة عن القصة الحقيقية. بدلاً من أن يبحث متولي عن شقيقته في الموالد، ذهب إلى منزله ليجدها في انتظاره، وفي نهاية الفيلم، قتلت “شفيقة” على يد أحد تجار العبيد خوفاً من إفشاء سره.
شفيقة ومتولي في المسرح والإذاعة
على مدار سنوات، تم عرض قصة شفيقة ومتولي بعدة رؤى ومعالجات فنية، ولا تزال المسرحية تلقى رواجاً كبيراً وقت عرضها، حيث كان آخر عرض لها منذ أيام ضمن فعاليات مهرجان ظفار المسرحي الدولي بعمان. وفي الإذاعة، تم عرض المسلسل عام 1983، حيث قدم الفنان عبدالله غيث دور “متولي” بينما قدمت الفنانة سهير المرشدي، وحقق المسلسل نجاحاً كبيراً بفضل المعالجة الدرامية للكاتب محمود الشوربجي وكلمات الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي.



