وكالة السداد الإخبارية تتابع آخر التطورات المحلية والدولية عبر مصادر إعلامية متعددة.

تراقب نجاة اللوح نمو الكتل السرطانية في جسدها بصمت مرير، وهي التي تلقت خبر إصابتها بورم حجمه 7 سنتيمترات في ثديها الأيمن بالتزامن مع نبأ استشهاد ابنها الأكبر عطا بقصف إسرائيلي.
“بينما كنتُ واقفة هناك أتحدث مع الطبيب، تلقيتُ النبأ. انهرتُ تمامًا، ليس عاطفيًا فحسب بل وجسديًا أيضًا”، هكذا تصف السيدة البالغة من العمر 48 عاما تلك اللحظة الفاصلة.
اليوم، وبعد 9 أشهر، تضاعفت المأساة بظهور 5 كتل أخرى تنتشر في صدرها وتحت إبطيها، وصل بعضها إلى حجم كرة التنس، بينما تسلم أوراقها الطبية بيأس لابنها خليل 13 عاما، لعله يدرك ما تخفيه التقارير.
وعلى الرغم من أن الحرب في غزة وضعت أوزارها بعد أسابيع من تشخيص نجاة في 17 أغسطس، تطبيقا لخطة السلام المكونة من 20 نقطة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي وعدت بإغراق القطاع بالغذاء والدواء، إلا أن نجاة لم تحصل إلا على رعاية بدائية سمحت للمرض بالانتشار لمرحلة مستعصية.
القتل لـ”المتعة”.. جنود إسرائيليون يكشفون انتهاكات جيش الاحتلال لوقف النار بغزة
نجاة واحدة من بين 13 ألف مريض سرطان محاصرين في قطاع بلا خدمات تخصصية، وعاجزين عن المغادرة إلا لقلة محظوظة، وسط حصار إسرائيلي بدأ في التسعينيات وتكثف عام 2023، ومماطلة دولية شملت بريطانيا.
ومع رفض حماس تسليم سلاحها، تلوح إسرائيل بتشديد إجراءات المساعدات، بينما تحول الانتباه الأمريكي نحو إيران.
عذاب الكيماوي “المخفف” وتلاشي أساسيات الحياة
رسمت مقابلات أجرتها صحيفة “التليجراف” البريطانية، مع مرضى وأطباء وخبراء صحيين صورة لرحلة بحث يائسة عن دواء مفقود.
بالنسبة لمن يحالفهم الحظ بالحصول على علاج كيميائي، فغالبا ما يكون مخففا أو غير مناسب، مما يسبب تشنجات عضلية لا يمكن السيطرة عليها وفقدانا لوظائف الجسد.
واضطر مرضى يحتاجون لنقل الدم للتوسل لجيرانهم في الخيام للتبرع، في ظل انعدام كامل للعلاج الإشعاعي، وتحول الصرف الصحي والنظام الغذائي المتوازن إلى ذكرى بعيدة.
يقول الدكتور مهدي المعلالي، المسؤول الطبي لمكتب معلومات غزة الصحي في منظمة “أطباء بلا حدود” “مع مرور كل شهر، تتحول الحالات القابلة للعلاج إلى حالات غير قابلة للشفاء. لا يمكنك ببساطة أن تشيح بنظرك عن هذا”.
من جانبه، يؤكد محمد، اختصاصي الدعم النفسي في جمعية “العون الطبي للفلسطينيين” في غزة، أن كل حالة وفاة هي تذكير مؤلم بالعجز عندما يكون العلاج بعيد المنال.
حصار الأجهزة وذريعة “الاستخدام المزدوج”
تؤكد وزارة الصحة في غزة أن 60% من أدوية السرطان غير متوفرة، مع نقص كامل في محاليل دلالات الأورام.
وبينما تنفي إسرائيل المنع المنهجي، يعزو الخبراء الندرة إلى ضآلة حجم المساعدات الكلي.
وتمنع إسرائيل دخول أجهزة الفحص المقطعي، والعلاج الإشعاعي، والمولدات، وقطع الغيار بذريعة أنها مواد “مزدوجة الاستخدام” قد تستغلها حماس.
النتيجة هي تدمير 3 أرباع معدات التصوير الطبي، واعتماد القطاع بأكمله على 5 أجهزة فحص مقطعي معطلة و33 جهازا متهالكا للأشعة السينية.
يوضح يوسف الأسمر، مدير البرامج الطبية في جمعية “العون الطبي للفلسطينيين”، أن الدخول يعتمد على عدد “محدود للغاية” من المعابر غير المتوقعة، ما يؤثر مباشرة على العناية المركزة وغرف العمليات.
تمتد المعاناة إلى غادة رباح البالغة 51 عاما، مصابة بسرطان الغدة الدرقية، وتفتقد لليود المشع تماما، وتقول بأسى: “أنا آخذ الحبوب الهرمونية فقط، وحياتي مجرد نزوح وبحث يائس عن دواء ونقص تغذية”.
مقصلة التصاريح الأمنية وخيبة الأمل الدولية
تضم قوائم الانتظار نحو 18 ألفا و500 مريض ينتظرون إذنا بالمغادرة من وحدة “تنسيق أعمال الحكومة في المناطق” المعروفة باسم “كوغات” التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، والتي تُتهم بفرض تأخيرات طويلة ورفض تعسفي.
أُخبرت المريضة اعتماد سعدة، التي تأمل بالعلاج في الخارج، بأن عليها الانتظار لسنوات.
ويرى الدكتور المعلالي أن المشكلة ليست لوجستية بل هي “نقص في الشجاعة السياسية” للدول التي يجب أن تفتح أسرتها وتصدر تأشيرات طبية.
وفي بريطانيا، رغم إجلاء 51 طفلا في الخريف الماضي، رفضت وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية الإفصاح لصحيفة “التليجراف” عن أي عمليات نقل جديدة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية.
وتقول ليز هاردينج، رئيسة الشؤون الإنسانية في منظمة “أطباء بلا حدود” بالمملكة المتحدة: “هذا الرقم ضئيل جدا أمام الاحتياجات المتنامية. المملكة المتحدة تمتلك القدرة والالتزام الأخلاقي للقيام بالمزيد”.
بينما يستمر الجدل، يراقب كامل صاحب الـ66 عاما جسده وهو يذوي بسبب دورات علاج كيميائي غير مكتملة، ويقول ابنه زهير دحلان: “والدي يعيش على المهدئات فقط، نحن بحاجة لحل جذري لهذا العذاب”.
أمّا نجاة اللوح، فتختصر المشهد بكلمات تقطر وجعا: “انتظار الموت أمر مرعب.. أنا فقط أنتظر أن توافق أي دولة على استقبالي”.
وبين انتظار وآمال، يصبح المرضى والسرطان على مضمار سباق، يترقب مرضى الأورام بغزة فيه من يصل منهما خط النهاية أولا: وقت يوفر العلاج، أم موت ينهي المأساة اليومية مع المرض.
المصدر: وكالات