العالم

السداد | حرب إيران.. هل ارتدّ “سحر” نتنياهو على العلاقات الأمريكية الإسرائيلية؟

وكالة السداد الإخبارية تتابع آخر التطورات المحلية والدولية عبر مصادر إعلامية متعددة.

تتصاعد التساؤلات في الأوساط السياسية حول ما إذا كانت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية قد تعكرت بالخلافات الأخيرة؛ إذ يشير استخفاف الرئيس دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس بحليفتهما إلى أن الشراكة التي كانت يومًا ما وثيقة كالفولاذ قد وصلت إلى نقطة غير مسبوقة من التوترات.

وفي هذه الأثناء، يبدو أن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه قد يكون هو “مهندس” هذا الانقسام التاريخي.

طوال الوقت، صوّر نتنياهو نفسه كقائد فذ يمتلك قدرة فريدة على حماية أمن إسرائيل والتعامل بحنكة مع ترامب، لكن يبدو أن الرئيس الأمريكي يحمل رؤية مغايرة تماما لمؤهلات رئيس الوزراء الإسرائيلي.، كما تشير صحيفة “تليجراف” البريطانية.

ويوم الثلاثاء الماضي، وبعد يومين فقط من توقيعه اتفاق سلام مع إيران أظهر فيه استخفافا لافتا بالمصالح الأمنية لحليفته المفترضة، خرج ترامب ليعلن صراحة: “لولا وجودي لما كانت هناك إسرائيل.. لولا تدخلي لكانت إسرائيل قد فُجرت منذ زمن طويل”.

لم يكن هذا التصريح غريبا فقط لأن ترامب كان يبلغ من العمر عامين بالكاد عندما تأسست إسرائيل عام 1948، بل لأنه يمثل المؤشر الأكثر وضوحا حتى الآن على أن التحالف الذي استمر لعقود وكان يُنظر إليه كأمر مسلّم به، لم يعد مضمونا.

وبالتأكيد، شهدت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية أزمات سابقة، مثلما حدث عندما أبرم الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، والذي وصفه نتنياهو حينها بأنه خطأ تاريخي، لكن خلاف اليوم تحمل طابعا جديدا، خصوصا أنها تأتي من رئيس يمثل اليمين الأمريكي الذي طالما اعتبر دعم إسرائيل عقيدة راسخة لا تقبل النقاش.

أزمة وجودية وتجاهل المصالح الأمنية

ما يثير الدهشة حقا هو أن هذا الجفاء يأتي في نهاية حرب خاضها البلدان معا جنبا إلى جنب، والأهم من ذلك أن الطرف الأقوى في هذا التحالف، وهو أمريكا، أبرم سلاما منفصلا مع “العدو” دون حتى أن يكلف نفسه عناء استشارة رفيق سلاحه.

هذا الاتفاق الذي عقدته أمريكا وإيران من “فوق رأس نتنياهو” يخرق جملة من الخطوط الحمراء الإسرائيلية دفعة واحدة ويترك تل أبيب في مهب الريح.

ويطرح تجاهل ترامب للالتزام الأساسي المفترض بين الحلفاء، تساؤلا ملحا حول ما إذا كان التحالف الاستثنائي الأبرز في العالم قد انهار بالفعل.

في الظاهر، بدت تصريحات ترامب مدفوعة بمخاوف من أن يؤدي الهجوم الإسرائيلي ضد حزب الله في لبنان إلى تقويض مذكرة التفاهم المؤلفة من 14 نقطة والتي أبرمها مع طهران.

وقد قال ترامب: “لقد قُتل عدد كبير من الناس.. ليس عليك أن تدمر مبنى سكنيا بالكامل في كل مرة تبحث فيها عن شخص ما، فهناك الكثير من الأبرياء في تلك المباني، وليسوا جميعا من حزب الله”.

وأكد بشكل صارم أنه: “كان ينبغي عليهم إنهاء المهمة بشكل أسرع. الأمر يبدو بلا نهاية، وهذا يلقي بظلال سلبية على الاتفاق الكبير، وأقصد هنا الاتفاق مع إيران”.

ورغم إعلان مسؤول أمريكي لصحيفة “تليجراف” البريطانية، عن وقف فوري لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، وهو ما يمهد الطريق نظريا لواشنطن للهروب من حرب مكلفة وإنقاذ الاقتصاد العالمي بإعادة فتح مضيق هرمز، إلا أن غضب الرئيس أعمق بكثير من مجرد خلاف حول الحكمة من العملية العسكرية في لبنان.

وفي الماضي، تكررت الخلافات بين أمريكا وإسرائيل حول هذا الملف كثيرا، وما يجعل المشهد مختلفا اليوم ليس سلوك ترامب فحسب، بل التحول التدريجي في المزاج العام الأمريكي الذي أصبح أكثر انتقادا لإسرائيل، حتى داخل أروقة الحزب الجمهوري وبين المسيحيين الإنجيليين.

تراجع الدعم الشعبي وسقوط عقيدة نتنياهو

بات اليمين الأمريكي أكثر تشككا في الجدوى من التحالفات الخارجية ككل، دون استثناء لأي دولة بما في ذلك إسرائيل.

لذلك، فإن وقف إطلاق النار في لبنان لن يرمم التصدعات في العلاقة التي طالما اعتبرها دبلوماسيو واشنطن العلاقة الاستثنائية الوحيدة لأمريكا.

وفي هذا السياق، يقول تشاك فريليتش، نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق في عهد أرييل شارون: “إذا كان هناك شيء واحد يقلقني حقا وأعتبره تهديدا وجوديا، فهو العلاقة مع الولايات المتحدة، لأننا نحتاجها في كل شيء”.

ويوضح فريليتش، أنه كان يرى العلاقة تتجه نحو الأزمة قبل السابع من أكتوبر بفترة طويلة، ثم جاءت الأحداث لتجمد الخلاف مؤقتا قبل أن تفاقمه بسبب حرب غزة، وبعد ذلك منح وصول ترامب فرصة أخرى لالتقاط الأنفاس، لكن الواقع الحالي يفرض نفسه الآن.

ولعل أكثر ما يهدد هذه العلاقة هو رأي ملايين الأمريكيين العاديين؛ إذ تظهر الأدلة تراجع الدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل بشكل حاد، حيث يُبدي الديمقراطيون غضبا عارما من حرب غزة، بينما يتساءل الجمهوريون اليمينيون عن مدى توافق هذا التحالف مع شعار “أمريكا أولا”.

ويظهر استطلاع أجراه مركز “بيو”، أن 60% من الأمريكيين باتوا يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ37% فقط في عام 2022.

ينقسم هذا المزاج حزبيا؛ إذ يحمل 80% من الديمقراطيين موقفا سلبيا، بينما لا تزال الأغلبية من الناخبين الجمهوريين تؤيد إسرائيل، لكن الاستطلاع كشف عن مفاجأة تمثلت في أن الجمهوريين دون سن الخمسين أظهروا عدم تعاطف مع إسرائيل بنسبة بلغت 57%.

تضع هذه الأرقام علامات استفهام كبرى حول ما يُعرف بـ”عقيدة نتنياهو” القائمة على فكرة أن أولوية إسرائيل يجب أن تركز على كسب تأييد الجمهوريين والإنجيليين، تماشيا مع حقيقة أن اليهود الأمريكيين لا يشكلون سوى 2% من السكان.

من هنا، يخلص أفيشاي بن ساسون جورديس، الخبير في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بجامعة تل أبيب، إلى أن رهان نتنياهو على إدارة الرأي العام الأمريكي لم يؤتِ ثماره، أو على الأقل انتهت صلاحية هذا الرهان الآن.

اتفاق إيران وأمريكا والخطوط الحمراء

إذا كانت حرب غزة قد سرعت من وتيرة هذا التراجع، فإن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك ضد إيران، الذي عارضه ثلثا الشعب الأمريكي، قد وسع الفجوة أكثر. فالحملة التي كانت تستهدف الإطاحة بالجمهورية الإسلامية وإنهاء خطر صواريخها وبرنامجها النووي ورعايتها لوكلائها، انتهت ببقاء النظام في السلطة، بل وربما أكثر قوة من ذي قبل.

ومع الفشل الواضح في تحقيق أهداف الحرب، تبادل الطرفان الاتهامات خلف الكواليس؛ إذ سرب مسؤولون أمريكيون أن نتنياهو التقى ترامب قبيل بدء الحملة ووعده بأن النظام الإيراني سينهار سريعا.

وفي المقابل، ألقى المسؤولون الإسرائيليون باللوم على ترامب بدعوى تقاعسه عن تسليح ودعم انتفاضة الأقلية الكردية.

وعندما بدا واضحا أن طهران ستنجو من الهجوم وردت بإغلاق مضيق هرمز، تحولت أولويات أمريكا فورا نحو تجنب انهيار اقتصادي عالمي وحماية حلفائها في الخليج.

بذلك، كان المبرر الأساسي لترامب لإبرام اتفاق سريع وجزئي لإنهاء الحرب هو ضمان إعادة فتح المضيق لخفض أسعار النفط.

أمّا بالنسبة لإسرائيل، فإن السيطرة على الممر المائي كانت دائما مسألة ثانوية مقارنة بالقدرات الصاروخية والنووية لإيران؛ ولهذا السبب التزم نتنياهو الصمت تماما حيال هذه النقطة.

ويشير ساسون جورديس، إلى أن نتنياهو لم يذكر هرمز على الإطلاق، ولم يسأله أحد من الصحفيين عن ذلك، رغم أن معركة هرمز كانت هي الحرب بأكملها بالنسبة لمعظم دول العالم.

لم يسبق لرئيس أمريكي أن وقع اتفاقا يخرق هذا الكم من الخطوط الحمراء الإسرائيلية دفعة واحدة؛ فمذكرة ترامب مع إيران تحمي حزب الله بطلبها وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان، وترفع العقوبات عن قطاع النفط الإيراني، وتنهي الحصار عن موانئها، وهي خطوات ستضخ مليارات الدولارات في خزائن طهران دون شروط مسبقة.

وهاجم ديفيد هوروفيتس، رئيس تحرير صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، ما وصفه بـ”الاستسلام الكارثي”، واصفا الرئيس الأمريكي بأنه منفصل عن الواقع.

وذهبت القناة 12 العبرية، إلى وصف الاتفاق بأنه “7 أكتوبر دبلوماسي”، فيما وصفه شمعون ريكلين، الإعلامي اليميني المقرب من نتنياهو، بأنه استسلام مطلق.

تاريخ نتنياهو في استفزاز الإدارات الأمريكية

فضّل رئيس الوزراء الإسرائيلي الصمت قدر الإمكان، مكتفيا بالقول إن تحديات إضافية تنتظرنا في المستقبل، ولم تتلقَّ إسرائيل أي تعاطف من حليفتها؛ بل خرج نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ليحذر من أن أمريكا هي الصديق الوحيد المتبقي لإسرائيل، مؤكدا أن تل أبيب لا يمكنها حل مشاكلها عبر القتل فقط.

وتبدو السمات الأمريكية واضحة على نتنياهو الذي قضى جزءا من شبابه في فيلادلفيا وبوسطن ودرس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ما منحه لغة إنجليزية بلكنة أمريكية متقنة، ومع ذلك سار هذا القرب جنبا إلى جنب مع قدرة عجيبة على استفزاز محاوريه الأمريكيين.

ففي عام 1990، هاجم نتنياهو بحدة جهود الرئيس الجمهوري جورج بوش الأب لتحقيق السلام، فرد وزير الخارجية جيمس بيكر بحظر دخوله إلى وزارة الخارجية.

لم يتوقف الأمر عند ذلك، ففي عام 2009 وصل الأمر بأوباما إلى تهديد نتنياهو صراحة في المكتب البيضاوي، قائلا: “الناس غالبا ما يسيئون تقديري، لكني قادم من شيكاغو حيث تعاملت مع خصوم أشداء”، وأشار بإصبعه نحو رقبة في حركة إيماء بالذبح.

وكتب نتنياهو في مذكراته أن الرسالة كانت واضحة والهدف منها ترهيبه، حيث عُومل رئيس وزراء إسرائيل وكأنه بلطجي صغير في الحي.

وحين تولى ترامب الرئاسة عام 2017، شهدت تلك الفترة ذروة العلاقات، لكن ترامب سرعان ما سئم من تعنت نتنياهو تجاه الفلسطينيين، وقال في مقابلة عام 2021: “رأيت ما كان يفعله.. كان يحرجهم ويحرمهم من كرامتهم، بيبي لم يكن يريد إبرام صفقة”.

وعندما تولى الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن منصبه، أفسدت حرب غزة الصداقة بينهما، حيث نعته بايدن في جلساته المغلقة بأوصاف نابية مثل الكاذب.

واليوم، لم تعد ركائز التحالف مضمونة؛ فحزمة المساعدات العسكرية الأمريكية الحالية البالغة 38 مليار دولار تنتهي في عام 2028. وقد صرح نتنياهو نفسه في يناير الماضي بأنه يريد لإسرائيل أن تستغني عن المساعدات الأمريكية بالكامل وتخفيضها إلى الصفر خلال العقد المقبل.

المصدر: وكالات

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى