وكالة السداد الإخبارية تتابع آخر التطورات المحلية والدولية عبر مصادر إعلامية متعددة.
تبدو إسرائيل وكأنها تدفع منطق الحرب في الشرق الأوسط إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، عبر تقليص الزمن الفاصل بين المعلومة والقرار والضربة. وهنا، تظهر «ألوموت»، الوحدة التي أعلن الجيش الإسرائيلي، أمس الأربعاء، إنشاءها لنقل أدوات الذكاء الاصطناعي إلى الخطوط الأمامية، لتكشف سعيًا واضحًا نحو بناء حرب أسرع، وأكثر شبكية، وأشد قابلية للإدارة في الزمن الحقيقي.
في أبريل من العام الماضي، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” كيف استخدم جيش الاحتلال أدوات تحليل النصوص والصور والاتصالات، وبرامج أخرى ساعدت في البحث داخل قواعد البيانات لدعم إنتاج قوائم أهدافها البشرية في حرب غزة.
ومن هذه الوجهة، فإن الجديد ليس وجود الذكاء الاصطناعي في عقيدة الحرب الإسرائيلية، وإنما نقله إلى بنية مؤسسية معلنة، ومستوى ميداني أقرب إلى الجندي والقرار التكتيكي في الميدان.
وهذا الانتقال يغيّر موضع الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية؛ فبدل أن يبقى أداة مساندة خلفية، يصبح جزءًا من دورة القرار القتالي اليومية، وتتجلى أهمية ألوموت باعتبارها محاولة لتثبيت تقنيات نماذج اللغات الكبيرة (LLM) في نقطة التماس بين المعلومات ولحظة إطلاق النار.
ألوموت.. ما هو دورها؟
لفهم ألوموت فعليًا، يجب البدء من موقعها داخل جيش الاحتلال؛ حيث مهمتها تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي ومعالجة المعلومات ونقلها إلى القوات على الجبهة، وهي تابعة لمديرية C4I والدفاع السيبراني، التي يشمل دورها الاتصالات والحواسيب والبرمجيات العسكرية والقدرات الدفاعية السيبرانية، لإمداد القادة في الميدان بالتكنولوجيا اللازمة لإدارة القتال، وفق “تايمز أوف إسرائيل”.
وفي حين لا تكشف التقارير المتاحة عن طبيعة الخوارزميات المستخدمة ولا تفاصيل البنية البرمجية الداخلية لهذه الوحدة، فإن المؤكد أنها تعمل في إطار معالجة المعلومات والذكاء الاصطناعي داخل سلسلة القيادة والاتصال.
كيف تعمل ألوموت فعليًا؟
وفق بيانات جيش الاحتلال، تضم ألوموت في تشكيلها مقاتلين ومختصين تقنيين وباحثي معلومات وخبراء ذكاء اصطناعي، ما يعني أنها تتأسس حول بنية عمل هجينة تربط الخبرة الميدانية بالخبرة الرقمية.
وهذه التركيبة تدل على أن الهدف ليس تحليل البيانات نظريًا، بقدر تحويلها إلى تطبيقات قابلة للاستخدام الفوري في القتال.
ووفق المؤشرات، فإن هذه الوحدة الإسرائيلية الجديدة تتجه إلى الذكاء الاصطناعي التطبيقي أكثر من النظري.
ومع أن الجيش لم يُفصّل التقنيات المستخدمة في ألوموت، فإن الحديث عن تطوير منصات معلومات وقدرات معالجة وتسليمها للقوات يوحي بأنها قد تعتمد على تعلم آلي في فرز المعطيات، واستخراج الأنماط، وتقديم توصيات تشغيلية، وربما دعم بعض عمليات الترجمة والنسخ والتحويل الصوتي أو النصي داخل منظومات القيادة.

ولكن.. ما هي أدواتها؟
هنا، يجب أن نكون دقيقين؛ فالمصادر لا تقدم قائمة مغلقة بالأدوات، ولكن تضع مؤشرات واضحة على طبيعة ما يجري تطويره.
في تقرير “تايمز أوف إسرائيل”، ورد أن الجيش يعمل على نظام قادر على نسخ الاتصالات العسكرية خلال ثوانٍ وتحويل ما يُقال في الدبابات والطائرات والسفن إلى نص مكتوب، بما يسهّل إدارة العمليات. بينما أُشير إلى نظام آخر قيد التطوير يسمح بالتعرف على القتلى أو المصابين بسرعة أكبر.
هذه أمثلة على نوع الأدوات التي تقع في قلب التحول، حتى لو لم تُسمَّ ألوموت باعتبارها مسؤولة حصريًا عنها.
وبالنظر إلى طبيعة عمل مديرية C4I نفسها، المسؤولة عن تطوير قدرات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والحلول البرمجية الأخرى للجيش؛ فإن الأدوات التي قد تعتمدها ألوموت ليست تطبيقًا واحدًا، وإنما حزمة من الأنظمة تشمل معالجة البيانات والنسخ الآلي ودعم القرار وإدارة الاتصالات، مع احتمالية تكامل لاحق مع نظم الحرب الإلكترونية والدفاع ضد المسيّرات.
والأهم هنا أن هذه الأدوات لا تعمل بمعزل عن سياق القتال؛ فالتقارير العسكرية الإسرائيلية تحدثت عن إعادة تنظيم المديرية نفسها في ضوء دروس الحرب، وعن إنشاء وحدات جديدة داخلها للذكاء الاصطناعي والطيف الكهرومغناطيسي، ما يعني أن ما يُبنى الآن هو بنية متكاملة لتسريع القيادة والسيطرة في بيئة حرب عالية الكثافة.
أين ستعمل ألوموت في الشرق الأوسط تحديدًا؟
المصادر لم تُعلن جبهة محددة بالاسم، لكن المسار العملي للإسرائيليين يوضح أين قد تُفعّل هذه القدرة أولًا.
غزة كانت المختبر الأول الذي استخدمت فيه إسرائيل الذكاء الاصطناعي على نحو موثق في عمليات الاستهداف والتحليل، ولذلك تبدو هي الساحة الأكثر ترجيحًا لدمج ألوموت بصورة مباشرة، حتى في غياب إعلان صريح.
أما لبنان، فالسياق يُشير إلى أنه جبهة تحتاج إلى إدارة سريعة لتهديدات صاروخية ومسيرات وضغوط متعددة الاتجاهات، وهو ما يفسر اهتمام جيش الاحتلال بتقوية قدرات المعالجة اللحظية والإنذار المبكر.
وهنا، لا حاجة لادعاء استخدام ألوموت مباشرة، لكن طبيعة هذه الجبهة تجعلها مرشحة طبيعية لأي منظومة ذكاء اصطناعي إسرائيلية جديدة.
الجبهة الثالثة المرشحة بقوة لعمل وحدة ألوموت هي إيران، وفق موقع “كالكاليست تِك” التقني الإسرائيلي، والذي يكشف أن جيش الاحتلال وسّع بالفعل استخدام الذكاء الاصطناعي في القتال النشط ضد إيران في الحرب الأخيرة، بما يشمل اعتراض المسيّرات وتحسين الإنذار وتحليل المعطيات الميدانية ووصولًا إلى تخطيط المهام.
وهذا يجعل الأراضي الإيرانية ساحة اختبار متقدمة للوحدة الإسرائيلية الجديدة، لأن طبيعة المواجهة هناك تعتمد على السرعة والمسافة وتعدد الوسائط القتالية، وكلها مجالات تزداد فيها قيمة الذكاء الاصطناعي.
أما سوريا، فلا إشارة مباشرة إلى احتمالية تفعيل ألوموت فيها، وإن كان استمرار إسرائيل في تنفيذ ضربات متكررة هناك يعني أن أي بنية ميدانية جديدة لتحليل البيانات وتسريع القرار قد تنعكس تلقائيًا على هذه الجبهة أيضًا.
ولذلك يجب التعامل مع ألوموت على أنها بنية تصلح للعمل على أكثر من جبهة، لا منصة محصورة بمسرح واحد.

لماذا ألوموت الآن؟
السبب الأوضح أن إسرائيل لا تبني هذه الوحدة من فراغ؛ ففي بداية 2025، ذكرت منصة “ديفينس نيوز” الأمريكية أن وزارة الدفاع الإسرائيلية أنشأت إدارة جديدة للذكاء الاصطناعي والاستقلالية لتسريع البحث والتطوير وإدماج الأنظمة الذاتية في المؤسسة العسكرية، بما يعكس اتجاهًا استراتيجيًا يهدف إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي مؤسسيًا وتحويله إلى أداة قتال، لا مجرد أداة تقنية.
كما أكدت منصة “إسرائيل ديفنس” المتخصصة في الشؤون العسكرية والأمنية والتكنولوجيا الاستراتيجية، أن الإدارة الجديدة جاءت لجمع خبراء من الوحدات التكنولوجية والجامعات والصناعات الدفاعية والشركات الناشئة، بما يخلق بيئة أسرع لنقل الابتكار إلى الميدان.
وهذا مهم، لأن ألوموت تبدو امتدادًا منطقيًا لهذا الترتيب؛ حيث وحدة تُسرّع تحويل البحث إلى استخدام عسكري فوري، بدلًا من أن تحل محله.
وفي نهاية 2025، تحدثت صحيفة “جيروزاليم بوست” عن إعادة هيكلة داخل مديرية C4I والدفاع السيبراني، مع تقسيمات جديدة للذكاء الاصطناعي والطيف الكهرومغناطيسي، وهو ما يثبت أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تتعامل مع الحرب المقبلة بوصفها حرب بيانات واتصالات موازية لحرب النيران.
ومن هنا تأتي قيمة ألوموت باعتبارها نتيجة للمسار القتالي لا مجرد وحدة مستقلة عنه.
ما يعنيه الـ AI الإسرائيلي للمنطقة العربية
الخطر المباشر يتجاوز مجرد وجود ألوموت كاسم، ويكمن فيما تمثله من تغيير في بنية القرار العسكري الإسرائيلي؛ فكلما أصبحت المعلومة تُعالج أسرع، وأصبحت الخوارزميات أقرب إلى الجندي، تقلص وقت التردد المتاح لإسرائيل، وزاد الوقت المتاح للتصويب وإدارة أكثر من جبهة في اللحظة نفسها، الأمر الذي يضاعف العبء على أي طرف عربي يواجهها، لأنه سيجد نفسه في مواجهة خصم يملك سرعة أعلى في الاستشعار والتقييم والتوجيه.
كذلك، فإن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي الإسرائيلية العسكرية في غزة لتحليل البيانات والمساعدة في بناء قوائم الأهداف، يعني أن التطور يلامس قلب القرار الحربي ويتجاوز التقنية الخالصة.
وهذا بالتحديد ما يجعل ألوموت قضية عربية بامتياز، لا مجرد خبر دفاعي إسرائيلي، لأنها تكشف ما تفكر فيه إسرائيل بعد غزة وإيران: حرب تُدار بزمن أقصر، وصورة عملياتية أوسع، ودمج أكبر بين المقاتل والآلة. ومن هنا تأتي ضرورة النظر إلى ألوموت كإشارة تحذير لنا نحن العرب.
المصدر: وكالات